أحمد بن محمود السيواسي

23

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

ثم أخبر تعالى أن سبب هلاك كل قرية ذنوب سكانها تهديدا لكفار مكة فقال ( وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ ) أي ليس قرية من القرى ( إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها ) أي مهلكو أهلها بالموت والاستئصال ( قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ ) نحن ( مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً ) بأنواع العذاب من السيف والزلزلة والغرق وغير ذلك إذا كفروا أو عصوا ، وقيل : « مهلكوها في حق المؤمنين بالإماتة » « 1 » ، وقوله « أَوْ مُعَذِّبُوها » في حق الكافرين بالقتل وأنواع العذاب ، قال عليه السّلام : « هل تدرون ما يخرب القرى ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، قال عليه السّلام : أعمال السوء فاجتنبوها » « 2 » ( كانَ ذلِكَ ) أي الإهلاك والتعذيب قبل البعث ( فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ) [ 58 ] أي مكتوبا في اللوح المحفوظ ، قال عليه السّلام : « أول ما خلق اللّه القلم ، فقال : اكتب ! فقال : ما أكتب ؟ قال : القدر وما هو كائن إلى الأبد » « 3 » ، قيل : « أول أرض تصير خرابا الشام » « 4 » ، « والبصرة أسرع الأرضين خرابا وأخبثهم ترابا » « 5 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 59 ] وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً ( 59 ) قوله ( وَما مَنَعَنا ) أي ما صرفنا عن ( أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ ) التي اقترحوا منك ( إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ) ف « أَنْ » الأولى مع ما بعدها مفعول « مَنَعَنا » ، والثانية فاعله ، أي إلا تكذيب المتقدمين من المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود ، فأهلكناهم ، لأن سنة اللّه فيمن تقدم أنه كان إذا أتى بآية مقترحة فلم يؤمن يهلكه ، وكان اللّه تعالى قد حكم بامهالهم لأن يتم أمرك يا محمد ، نزل حين سأل أهل مكة أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا في أراضيهم « 6 » ، فقال : نحن نعلم أنهم لو أرسلت الآيات إليهم لكذبوا بها تكذيب الأولين فهلكوا ، لكنا أمهلناهم في العذاب لحكمة ، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ، ثم قال ( وَآتَيْنا ) أي أعطينا ( ثَمُودَ النَّاقَةَ ) بسؤالهم إياها ( مُبْصِرَةً ) أي آية موضحة لنبوة صالح عليه السّلام ( فَظَلَمُوا ) أنفسهم ( بِهَا ) أي بتكذيبها ، يعني جحدوا أنها من عند اللّه فأهلكناهم ، ثم قال ( وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ ) أي بالمعجزات للعبرة أو آيات القرآن ( إِلَّا تَخْوِيفاً ) [ 59 ] للعباد ليؤمنوا ، فان أبوا أتاهم العذاب وهو مفعول له ، قيل : « إن اللّه يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يرجعون » « 7 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 60 ] وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً ( 60 ) ( وَإِذْ قُلْنا ) أي اذكر وقت قولنا ( لَكَ ) بالوحي ( إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ ) وهم قريش علما وقدرة ، فهم في قبضته قادر عليهم فأمض لأمرك ولا تخش أحدا وهذا تبشير له بوقعة بدر وبالنصرة عليهم لتبليغ الرسالة ( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ) ليلة المعراج ( إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) أي اختبارا لجميع الخلق أو لقريش ، لأن منهم مصدقا ومكذبا ، وهي رؤيا عين أريها النبي عليه السّلام ليلة الإسراء من العجائب والآيات ، والرؤيا يستعمل للرؤية أيضا ، وقيل : هي رؤيا منام « 8 » ، روي : « أنه عليه السّلام رأى مصرع قريش في القتال ، فلما ورد ماء بدر قال هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان من قريش فتسامعت قريش بما أوحي إليه من أمر بدر ، فكانوا يضحكون ويستهزؤن » « 9 » ، قوله ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ ) عطف على « الرُّؤْيَا » ، أي وما جعلنا الشجرة التي لعن آكلها ، أي كره

--> ( 1 ) عن مقاتل وغيره ، انظر البغوي ، 3 / 504 . ( 2 ) ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 3 ) انظر البغوي ، 3 / 504 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث الصحيحة التي راجعتها . ( 4 ) عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، انظر السمرقندي ، 2 / 274 . ( 5 ) رواه ابن سيرين عن ابن عمر ، انظر السمرقندي ، 2 / 274 . ( 6 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 2 / 274 ؛ والواحدي ، 243 ؛ والبغوي ، 3 / 504 . ( 7 ) عن قتادة ، انظر البغوي ، 3 / 505 . ( 8 ) أخذه المؤلف عن الكشاف ، 3 / 184 . ( 9 ) نقله المفسر عن الكشاف ، 3 / 184 .